الغزالي

426

مكاشفة القلوب المقرب إلى علام الغيوب

فأنت الذي أوردتني هذا المورد ، فيقول له الآخر : مثل ذلك » . وعنه صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « من شرب الخمر في الدنيا سقاه اللّه من سمّ الأساود « 1 » شربة يتساقط منها لحم وجهه في الإناء قبل أن يشربها ، فإذا شربها يتساقط لحمه وجلده ، يتأذى به أهل النار ، ألا إن شاربها وعاصرها ومعتصرها وحاملها والمحمولة إليه وآكل ثمنها شركاء في إثمها ، لا يقبل اللّه منهم صلاة ولا صوما ولا حجا حتى يتوبوا ، فإن ماتوا قبل التوبة كان حقا على اللّه أن يسقيهم بكل جرعة شربوها في الدنيا من صديد جهنم ، ألا وإن كل مسكر حرام ، وكل خمر حرام » . وذكر ابن أبي الدنيا أنّه مرّ بسكران وهو يبول في يده ، ويغسل به يده كهيئة المتوضىء ، وهو يقول : الحمد للّه الذي جعل الإسلام نورا ، والماء طهورا . وعن العباس ابن مرداس أنه قيل له في الجاهلية : لم لا تشرب الخمر فإنها تزيد في حرارتك ؟ فقال : ما أنا بآخذ جهلي بيدي ، فأدخله في جوفي ، ولا أرضى أن أصبح سيد قومي وأمسي سفيههم . وروى البيهقي عن ابن عمر رضي اللّه عنه أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « اجتنبوا أم الخبائث . فإنه كان رجل ممن كان قبلكم يتعبّد ، ويعتزل الناس ، فتعلقت به امرأة غوية ، فأرسلت اليه جاريتها فقالت : إنا ندعوك لشهادة ، فدخل فطفقت كلما دخل بابا أغلقته دونه ، حتى أفضى إلى امرأة وضيئة جالسة ، وعندها غلام وباطية فيها خمر ، فقالت : إنا لم ندعك لشهادة ، ولكن دعوتك لتقتل هذا الغلام ، أو تقع عليّ وتشرب كأسا من الخمر ، فإن أبيت صحت بك وفضحتك . فلما رأى أنه لا بد له من ذلك قال : اسقني كأسا من الخمر . فسقته ، فقال : زيديني ، فلم يزل حتى وقع عليها ، وقتل النفس ، فاجتنبوا الخمر ، فإنه واللّه لا يجتمع إيمان وإدمان الخمر في صدر رجل أبدا ، ليوشكنّ أحداهما أن يخرج صاحبه » . وروى أحمد وابن حبان في « صحيحه » عن ابن عمر : أنه سمع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : « إن آدم لما أهبط إلى الأرض قالت الملائكة : أي ربّ أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قالَ إِنِّي أَعْلَمُ ما لا

--> ( 1 ) الأساود : الحيات العظيمة .